أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
364
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 114 إلى 119 ] فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ( 114 ) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 115 ) وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ ( 116 ) مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 117 ) وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 118 ) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 119 ) قوله : . . . وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ . . . . العامة على فتح الكاف ، وكسر الذال ، ونصب الباء ، وفيه أربعة أوجه : أظهرها : أنه منصوب على المفعول به ، وناصبه « تَصِفُ » ، و « ما » مصدرية ، ويكون معمول القول الجملة من قوله : « هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ » ، و « لِما تَصِفُ » علة للنهي ، عن القول ذلك أي : ولا تقولوا هذا حلال ، وهذا حرام ، لأجل وصف ألسنتكم الكذب ، وإلى هذا نحا الزجاج والكسائي ، والمعنى : لا تحللوا ، ولا تحرموا لأجل قول تنطق به ألسنتكم من غير حجة . الثاني : أن ينتصب مفعولا به للقول ، ويكون قوله : « هذا حَلالٌ » بدلا من « الْكَذِبَ » لأنه عينه ، أو يكون مفعولا بمضمر ، أي : فتقولوا هذا حلال وهذا حرام ، و « لِما تَصِفُ » علّة أيضا ، والتقدير : ولا تقولوا الكذب لوصف ألسنتكم ، وهل يجوز أن تكون المسألة من باب التنازع على هذا الوجه ، وذلك أنّ القول يطلب الكذب ، و « تَصِفُ » أيضا يطلبه ، أي : ولا تقولوا الكذب لما تصفه ألسنتكم فيه نظر . الثالث : أن ينتصب على البدل من العائد المحذوف على « ما » ، إذا قلنا : إنها بمعنى الذي ، التقدير : لما تصفه . ذكر ذلك الحوفي ، وأبو البقاء . الرابع : أن ينتصب بإضمار أعني - ذكره أبو البقاء - ولا حاجة إليه ، ولا معنى عليه . وقرأ الحسن وابن يعمر ، وطلحة « الكذب » بالخفض ، وفيه وجهان : أحدهما : أنه بدل من الموصول ، أي ولا تقولوا لوصف ألسنتكم الكذب ، أو الذي تصفه ألسنتكم الكذب جعله نفس الكذب ، لأنه هو . والثاني : ذكره الزمخشري : أن يكون نعتا ل « ما » المصدرية ، وردّ الشيخ : بأنّ النحاة نصّوا على أنّ المصدر المنسبك من أن والفعل لا ينعت ، لا يقال : يعجبني أن تخرج السريع » ، ولا فرق بين هذا وبين باقي الحروف المصدرية . وقرأ ابن عبلة ، ومعاذ بن جبل ، : بضم الكاف والذال ورفع الباء ، صفة للألسنة ، جمع كذوب ، « ك صبور وصبر » ، أو جمع كاذب ك « شارف وشرف » ، أو جمع « كذاب » ، نحو كتاب وكتب ، وقرأ مسلمة بن